مجلة الأمن الفصلية يناير 2025

دور المناصحة في مكافحة التطرف العنيف وتعزيز الأمن الفكري وبالنظــر إلــى المســار التاريخــي للمجتمعــات الإنســانية، يظهر أن نمــو وتقــدم المجتمعات كان دوما مرهوناً بمستويات الأمن والاستقرار والتماسك المجتمعــي، حيــث لعبت الأفــكار والابتــكارات حجر الزاويــة والقــوى الدافعــة فــي تقــدم الحضارات الإنسانية وازدهار العلوم والمعرفة، فكلما زاد الفكر المســتنير في المجتمع كلما ازدادت معدلات الرفاه وجودة الحياة وفرص التعايش السلمي. وعلــى العكسمــن ذلك تمامــا، تخبرنــا التجربة الإنســانية عبــر مختلــف الأزمنــة والعصــور أن بذور الانحــراف فــي الآراء والأفــكار ومظاهــر التعصــب والاستقطاب والتطرف الفكري لم ينتج عنها يوما إلا التناحر والاقتتال والعصف بأمن وسلامة المجتمعات. واليــوم، بفعــل عوامل عديــدة ومتنوعــة، يأتي فــيمقدمتهــا تكنولوجيا المعلومــات والاتصالات، تواجه المجتمعات فــي مختلف أنحاء العالم تحديات غير مســبوقة تتعلق بالتطرف والحفــاظ على الأمن الفكري، ويتجلى ذلك في أشــكال عديدة ومختلفة، لعــل أبرزهــا وضوحا اســتقطاب العقول إلــى دوائر العنف وبراثن التطرف الفكري والإرهاب. وهنــا تظهر أهمية الدور الــذي يمكن أن تؤديه المناصحة في تعزيز منظومــة الأمن الفكري داخل المجتمع، باعتبارها مسار استراتيجي وأداة مجتمعية في الدعم والإرشــاد والتقويم والوقاية الاســتباقية من التطرف المؤدي للعنف والإرهاب. وفي هذا الســياق، تناقشهذه الدراسة أهمية دور المناصحة في مواجهــة التطرف العنيف وتعزيز الأمن الفكري، وذلكمنخلال تحديدماهية التطرف ومظاهــره وأنماطــه المختلفــة، وفهــم العلاقات المتبادلــة بيــن التطــرف والعنف والإرهــاب، ورصد الأدوات والأســاليب الحديثة المســتخدمة في نشر التطرف الفكري في المجتمعات المعاصرة، وكيفية تعزيــز منظومة الأمــن الفكري لمواجهــة التطرف العنيــف المــؤدي للإرهــاب من خلال رصــد وتحليل أفضــل الممارســات والتجارب في مجــال المناصحة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. المبحث الأول: ماهية التطرف ومظاهره وأنماطه التطرف ظاهرة إنســانية قديمة، تتســم بالتنوع وتفتقر إلى تعريفمحدد، ولا يسلم أي بلد أو مجتمع من آثاره، ولا يقتصر على منطقة أو جنسية بعينها أو على نظام عقائدي أو دين معين. ويعــد مفهــوم التطرف مــن المفاهيــم صعبة التحديــد، ويمكن إيعاز ذلك بســبب نســبية المعنى اللغــوي للتطرف، فضلا عن تعدد مُســببات التطرف والتي من الممكن أن تعود إلى أسباب داخلية بسبب جذور فكرية متطرفة من داخل المجتمع، أو أن تعود إلى أسباب وتأثيرات خارجية. أولا: مفهوم التطرف تشــتق كلمة التطرف من الجذر اللغوي "طرف"، والذي يشــير إلى منتهى الشــيء، ومعناه الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط، والذي يقابل التوسط والاعتــدال؛ وعلى الرغم من أن كلمــة "التطرف" لم ترد في القرآن الكريم، إلا أن النصوصالقرآنيةشملت بعض المفاهيم التي تشير إلى مدلول التطرف، مثل "الغلو"، كما يرد في ســورة النســاء (يا أهل الكتاب لا تغلــوا في دينكــم ولا تقولوا علــىاللهإلا الحق) ، وقوله تعالى فيســورة البقرة (يريداللهبكم اليسر ولا يريد بكم العسر) . ومن المنظــور الفقهي، يقصد بالتطرف الفكري مجموعــة من الأفكار التي تتســم بالغلو، ويدين بها البعض، مع ما فيها مــن خروج عن القواعد الفكرية والأعــراف الاجتماعيــة والثقافيــة الســائدة فــي المجتمــع؛ والغلو هو مجاورة الحــد، إذ يُقال: غلا في الأمر والدين، بمعنى تشــدد فيه وجاوز الحد وأفرط فيه. كما يعرف بعض الفقهاء التطرف بأنه "البعد عن

RkJQdWJsaXNoZXIy MjIwNTU=